#وزير الاتصالات #عبد_السلام_هيكل في مؤتمر للذكاء الاصطناعي في #دمشق (5/5/2025 الأناضول)
يعرض تقرير التنمية البشرية العالمي ترتيب الدول على سلم التنمية البشرية العالمي في كل عام، وجاءت في تقرير 2025 كالعادة الدول الأولى عالمياً هي آيسلندا (0.972)، سويسرا (0.970)، النرويج (0.970). وأعلى دولة عربية: الإمارات (0.940) في المرتبة 15 عالمياً، ومن ثم السعودية (0.900) البحرين (0.899) قطر (0.886). أما سورية فقد جاءت في المرتبة 162 عالمياً بقيمة مؤشر 0.564، مصنفة ضمن فئة "التنمية البشرية المنخفضة". ومعلوم أن دليل التنمية البشرية العالمي يحتوي على ثلاثة مكونات رئيسية (الدخل، التعليم، الصحة) وهو مقياس مركب قيمته تراوح بين (0 - 1) وكلما اقترب الدليل من الواحد يعني أن حال البلد المعني في أفضل الحالات التنموية. ولقد حافظت الدول الاسكندنافية على الترتيب الأول منذ بداية ظهور التقرير في 1991، وهذا ما يظهر الاهتمام الكبير بالإنسان في تلك الدول على حساب معدلات النمو الاقتصادي والإنتاج المادي.
متوسّط دليل التنمية البشرية في سورية ومقارنتها عربياً
من تفحص البيانات، يمكن القول إنه بينما كانت سورية تسير بخطى ثابتة نحو التحسّن، حيث ارتفع مؤشّر تنميتها البشرية من 0.500 إلى 0.648 خلال عقدين (1990- 2010)، جاءت الحرب لتعيد البلاد عقوداً إلى الوراء. فقد تفاقم الوضع بسبب العقوبات الدولية المشدّدة التي عزلت الاقتصاد، إلى جانب الفساد الممنهج والإدارة المتدهورة في ظل النظام البائد، الذي استنزف موارد البلاد وأضعف مؤسساتها عقوداً. ففي 2023، انهار المؤشّر إلى 0.564، ماحياً مكاسب 20 عاماً من التقدم والتنمية. لقد شكلت هذه العوامل مجتمعة عاصفة كاملة حطمت بنى الاقتصاد التحتية، ودفعت بالكفاءات إلى الهجرة نتيجة مفرزات الحرب والإجراءات التي كان النظام البائد يتعمّدها في سبيل تدمير البنى الاجتماعية، وتعزيز إجراءات الهجرة والاغتراب وعزل سورية عن الركب العالمي في وقتٍ كانت فيه الثورة التكنولوجية تتسارع في كل مكان. وفي المقابل، كنا نرى فيه العالم العربي يسير بخطى أبطأ لكنه يسير بنهج ثابت نحو الأفضل. لقد تحوّلت الفجوة بين سورية والدول المتقدمة من هوّة يمكن ردمها إلى هاوية لا تُعبر، حيث تخسر البلاد سباق المستقبل بينما العالم من حولها يعدو نحو الثورة التكنولوجية بسرعة مذهلة، وتبقى آثار العقوبات والفساد عبئاً ثقيلاً على الأجيال القادمة التي لن نجد مقومات النمو والتطور وفرصهما جاهزة للنهوض نحو عالم المعرفة وعالم الإبداع والابتكار.
يفيد التقرير بأن مستوى هذا القلق ليس متساوياً حول العالم، فهو أعلى في البلدان المرتفعة التنمية، حيث الاحتكاك المباشر بالذكاء الاصطناعي أكبر، مقارنة بالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل
الذكاء الاصطناعي في قلب نقاش التنمية البشرية
التقرير السنوي للتنمية البشرية العالمي "التنمية البشرية رهن بخيار الإنسان والإمكانات في عصر الذكاء الاصطناعي"، تصدره الأمم المتحدة كل عام، وقد اختير هذه السنة الذكاء الاصطناعي في قلب نقاش التنمية البشرية، محذّراً من مخاطره ومستعرضاً إمكاناته الهائلة في الوقت نفسه. وقد حاول التقرير أن يبث الرسائل الرئيسية التالية:
1. الذكاء الاصطناعي هو "الكهرباء الجديدة أي تقنية شاملة ستغير كل مناحي الحياة، لكن تأثيرها ليس حتمياً". المستقبل "رهن بخيار" المجتمعات والبشر.
2. الخيار بين تكامل الإنسان والآلة أو استبداله، إذ يحذر التقرير من مسار يؤدي إلى استبدال البشر، ويزيد من البطالة وعدم المساواة (ما يسميه "اقتصاد الاستبدال"). بينما يدعو إلى مسار بديل يركز على "اقتصاد التكامل"، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات البشرية وخلق وظائف جديدة.
3. توسّع الفجوات العالمية: التقرير يوثق تباطؤ التقدم في التنمية البشرية عالمياً وتوسع الفجوة بين الدول ذات التنمية "المرتفعة جداً" وتلك ذات التنمية "المنخفضة". الذكاء الاصطناعي يهدد بتعميق هذه الفجوة إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة.
4. البيانات تثبت توقعات الناس وفقاً لمسح أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يتوقع %66 من الناس أن الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في التعليم والصحة والعمل خلال عام. كما أن الغالبية تتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيعزز عملهم (%61) أكثر مما سيلغيه (%51).
كما يدعو التقرير إلى التحرّك في ثلاثة مجالات محورية:
1. بناء الاقتصاد على التكامل: تصميم سياسات تشجع على التعاون بين البشر والذكاء الاصطناعي، وليس المنافسة. هذا يتضمن إصلاحات ضريبية وحوافز تدعم "مضاعفة" العمل البشري بدلاً من "أتمتته" فقط.
2. قيادة الابتكار بتصميم واضح: يجب أن تكون القيم البشرية والأخلاق جزءاً أساسياً من تصميم وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي من البداية، وليس مجرد ترداد لاحق.
3. الاستثمار في الإمكانات التي تثمر: ضرورة إصلاح أنظمة التعليم والرعاية الصحية لتجهيز البشر لعالم الذكاء الاصطناعي، مع ضمان تكافؤ الفرص في الوصول إلى هذه التقنيات واستخدامها.
توقعات استخدام الذكاء الاصطناعي
1. 66.1% من سكان بلدان التنمية البشرية المنخفضة والمتوسّطة يتوقعون استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم أو الصحة أو العمل خلال عام.
2. 68.9% من سكان بلدان التنمية البشرية المرتفعة يتوقعون استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات خلال عام.
3. 45.9% من سكان بلدان التنمية البشرية المرتفعة جداً يتوقعون استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات خلال عام.
الاستخدام الفعلي الحالي (في مايو/ أيار الماضي). ولدى سؤال المبحوثين عن استخدامهم الفعلي تطبيقات الذكاء الاصطناعي أجاب:
• 14.4% من سكان بلدان التنمية البشرية المنخفضة والمتوسطة استخدموا الذكاء الاصطناعي أخيراً.
• 23.6% من سكان بلدان التنمية البشرية المرتفعة استخدموا الذكاء الاصطناعي أخيراً.
• 19.0% من سكان بلدان التنمية البشرية المرتفعة جداً استخدموا الذكاء الاصطناعي أخيراً.
كما تُظهر نتائج التقرير أن 61% من الناس حول العالم يتوقعون أن يعزّز الذكاء الاصطناعي عملهم ويساعدهم على مضاعفة إنتاجيتهم، بينما يتوقع 51% فقط أن يحل محلهم، ويؤدّي إلى أتمتة وظائفهم. تُشير هذه النسبة إلى نظرة إيجابية بشكل عام تجاه الذكاء الاصطناعي مساعداً وليس منافساً. إلا أن هذه النظرة الإيجابية تخفي تحفظات مهمة تختلف باختلاف الفئات العمرية والخلفيات الثقافية. ففي حين يبدو الشباب (15-24 سنة) الأقل قلقاً بشأن فقدان السيطرة على حياتهم بسبب هذه التقنيات، يبدو كبار السن (45- 59 سنة) الأكثر تحفظاً وتخوفاً من هذا التوجه.
القلق من المستقبل
يفيد التقرير بأن مستوى هذا القلق ليس متساوياً حول العالم، فهو أعلى في البلدان المرتفعة التنمية، حيث الاحتكاك المباشر بالذكاء الاصطناعي أكبر، مقارنة بالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وهذا يتوافق مع حقيقة أن 23.6% من سكان البلدان المرتفعة التنمية يستخدمون الذكاء الاصطناعي فعلياً، مقابل 14.4% فقط في البلدان المنخفضة والمتوسّطة الدخل. ويبقى أحد أكبر التحدّيات التي تواجه التعميم العادل للفوائد مسألة التحيز الثقافي المتأصل في عديد من نماذج الذكاء الاصطناعي السائدة. فهذه النماذج، التي تُطور غالباً في بيئات ثقافية واجتماعية محدودة، تقدم إجابات وحلولاً أقرب إلى ثقافة المجتمعات المرتفعة الدخل، بينما تبدو أقل ارتباطاً بسياقات المجتمعات في البلدان النامية واحتياجاتها. ما يسلط الضوء على ضرورة العمل نحو تطوير ذكاء اصطناعي أكثر شمولاً وتنوّعاً، يعكس تعدّدية الثقافات ويخدم جميع المجتمعات على قدم المساواة.
احتلت سورية المركز 161 على مستوى العالم في مؤشر سرعة الإنترنت للعام 2020، كما احتلت المرتبة 176 مِن أصل 190 دولة حول العالم في مؤشر "ممارسة أنشطة الأعمال" للعام 2020
سورية من الأقل استخداماً للذكاء الاصطناعي
وأظهر تقرير صادر عن مختبر الذكاء الاصطناعي من أجل الخير التابع لشركة مايكروسوفت (Microsoft AI for Good Lab) أن نسبة انتشار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين الفئة العاملة في سورية بلغت نحو 6.7% فقط من إجمالي السكان في سن العمل (15– 64 سنة)، ما يضعها في الثلث الأخير عالمياً ضمن قائمة شملت 147 دولة. وأشار التقرير، وعنوانه "Measuring AI Diffusion: A Population-Normalized Metric for Tracking Global AI Usage"، إلى أن الإمارات تصدرت التصنيف العالمي بنسبة 59.4% من الفئة العاملة تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، تلتها سنغافورة بنسبة 58.6%، في حين جاءت معظم دول الشرق الأوسط بمستويات متفاوتة، إذ سجلت الأردن 25.4% ولبنان 24.8% ومصر 12.5% والمغرب 10.5%. وبحسب الباحثين في مختبر مايكروسوفت، فإن توسيع الوصول إلى الإنترنت والاستثمار في المهارات الرقمية سيكونان عاملين أساسيين لرفع نسب استخدام الذكاء الاصطناعي في الدول النامية، ومن ضمنها سورية، التي تُظهر مؤشرات متواضعة مقارنة بجيرانها في المنطقة. وأبدت سورية في وقت سابق اهتماماً متزايداً بتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث استضافت دمشق في مايو/ أيار 2025 أول مؤتمر وطني للذكاء الاصطناعي بعنوان “AI-Syria 2025”، برعاية وزارة الاتصالات والتقانة وتنظيم من الاتحاد العربي للإنترنت والاتصالات والجمعية العلمية السورية للمعلوماتية. كما كشفت مؤسسة "إكسفورد إنسايت" ومركز أبحاث التنمية الدولية عن تقرير مؤشر جاهزية حكومات دول العالم لتطبيق تكنولوجيا الذكاء الصناعي، واحتلت سورية المرتبة ما قبل الأخيرة، سابقةً اليمن فقط. وأوضح التقرير الذي شمل 172 دولة أن سورية جاءت في المركز 171 خلال العام 2020 بواقع 19.33 نقطة مِن أصل مائة نقطة، في حين تذيّلت اليمن الترتيب الأخير في المركز 172 على المؤشر بـ 19.1 نقطة.
ووفق التقرير فقد احتلت الولايات المتحدة الأميركية المرتبة الأولى في مؤشر هذا العام بواقع 85.5 نقطة، في حين ذهبت المراكز الخمسة الأولى إلى دول أوروبا الغربية (بريطانيا ثانياً بـ 81.1 نقطة، وفنلندا ثالثاً بـ 79.2 نقطة، وألمانيا رابعاً بـ 78.9 نقطة، والسويد خامساً بـ 78.8 نقطة). ودولتان آسيويتان حصدتا مركزين متقدّمين، حيث احتلت سنغافورة المركز السادس بـ 78.7 نقطة، وكوريا الجنوبية المركز السابع بـ 77.7 نقطة، لـ تتقدّم ثلاث دول أوروبية في المراكز الأخيرة مِن العشرة الأوائل، الدنمارك ثامناً بـ 75.6 نقطة، النرويج تاسعاً بـ 75.3 نقطة، هولندا عاشراً بـ و74.4 نقطة. وكانت سورية قد احتلت المرتبة الأخيرة عربياً و156 عالمياً على المؤشر المتكامل للتنمية البريدية "2IPD" لـ عام 2020، الصادر عن الاتحاد البريدي العالمي المعروف اختصاراً بـ"UPU"، والذي شمل 170 دولة. كذلك احتلت سورية المركز 161 على مستوى العالم في مؤشر سرعة الإنترنت للعام 2020، كما احتلت المرتبة 176 مِن أصل 190 دولة حول العالم في مؤشر "ممارسة أنشطة الأعمال" للعام 2020 أيضاً.
وقد كانت للحرب في سورية آثار كارثية، فقد دمرت أو تضررت 65% من البنية التحتية الرقمية، ولا يستطيع 57% من السكان الوصول إلى الإنترنت بشكل منتظم وبجودة مقبولة، بينما لا تتجاوز نسبة المؤسسات التي تستخدم بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي 18%. ولا تتجاوز نسبة الطلاب الذين لديهم إمكانية الوصول إلى التعليم الرقمي 15%، بينما لا تشكل نسبة خريجي الجامعات المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات سوى 3%. وتعكس الفجوة التقنية عمق الحرب، ولا يخصّص سوى 0.1% من الناتج المحلي للبحث والتطوير، وتسجل سورية عدداً قليلاً جداً من براءات اختراع سنوياً فقط مقابل 45,000 في كوريا الجنوبية.
نتائج الحرب على قطاع التنكولوجيا
أدّت الحرب في سورية وسياسات الفساد والتدمير التي اعتمدها النظام السابق إلى انخفاض حاد في الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 97%، حيث تراجعت من 3.2 مليارات دولار عام 2010 إلى حوالي مائة مليون دولار عام 2020. وغادرت أكثر من 90% من الشركات متعددة الجنسيات البلاد منذ عام 2011 (غرفة التجارة الدولية، 2023)، فيما قطع معظم الشركاء التجاريين الدوليين العلاقات بسبب العقوبات الدولية والظروف الأمنية. وفي الرقمنة، تفاقمت الفجوة الرقمية بشكل كبير، حيث لا يستخدم الإنترنت بانتظام سوى 57% من السكان (الاتحاد الدولي للاتصالات، 2023)، وتمتلك 15% فقط من الأسر اتصال إنترنت عالي السرعة. كما لا تستخدم سوى 18% من المؤسسات العامة الحوسبة السحابية (البنك الدولي، 2022)، ولا يساهم الاقتصاد الرقمي سوى بنسبة 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي. ولا يتجاوز عدد المشاريع في مجال التكنولوجيا الناشئة سوى عدد قليل مقارنة بما هو مطلوب، ويعمل 5% فقط حاضنات أعمال تقنية فقط، ولا توفر قطاع التكنولوجيا سوى 15% من فرص العمل، في ظل تراجع حجم الاستثمارات في القطاع، وفي ظل تفاقم تحديات البنية التحتية المتدهورة، حيث لا تتوفر الكهرباء سوى 4 ساعات يومياً في معظم المناطق، ودمرت أو تضررت 60% من الشبكة الكهربائية، عدا عن تقادم أجهزة البث الخليوي وتراجع منظومة الحكومة الإلكترونية والدفع الإلكتروني وتعثر انضمام سورية إلى الأنظمة العالمية في مجال التحول الرقمي والاتصالات الفضائية عالية التقانة.
على سورية تبني نهج متكامل وشامل يجمع بين عدة محاور أساسية: أولها إعادة بناء البنية التحتية الرقمية المتضررة، والتي تشكل العصب الرئيسي لأي تطور تكنولوجي
حالة مثالية للدراسة
تمثل سورية حالة دراسية مثالية لتقرير التنمية البشرية 2025، حيث تظهر كيف يمكن لأمة أن تتراجع عقوداً إلى الوراء في مسار التنمية البشرية، وكيف أن التخلف عن ركب الثورة التكنولوجية يمكن أن يكون له عواقب كارثية على مستقبل الأجيال القادمة. إذ تواجه البلاد اليوم خطراً حقيقياً يتمثل في تحولها التدريجي إلى ما يشبه "بقعة مظلمة" معزولة في خريطة التحول الرقمي العالمية، وهذا الخطر لا يهدد فقط مستقبلها التكنولوجي، بل يمتد ليشمل جميع جوانب تنميتها البشرية والاقتصادية. إن عجز سورية عن مواكبة الثورة التكنولوجية المتسارعة لا يعزّز فقط تهميشها على الساحة الدولية، بل يهدّد بتعميق أزماتها التنموية والإنسانية عدة عقود مقبلة، ما سيحول دون تحقيق أي تقدم ملموس في مجالات الصحة والتعليم والاقتصاد.
وعلى أرض الواقع، لا تزال التحدّيات والمصاعب التي تواجهها سورية كبيرة وعميقة، فهي تقف اليوم أمام طريق طويل وشاق يجب أن تقطعه لمجرد اللحاق بالدول العربية المجاورة، فضلاً عن اللحاق بالدول المتقدمة التي تتقدم بخطى سريعة. ورغم الجهود الكبيرة والملحوظة التي تبذلها وزارة الاتصالات والتقانة بقيادة الوزير عبد السلام هيكل، الذي يتمتع بخبرة واسعة في مجال الاتصالات والتقانة، يتطلب تحقيق الأهداف المنشودة والوصول إلى الغايات المرجوّة مواردَ أكبر واستراتيجيات أوسع ورؤية أكثر شمولاً.
ولتحقيق هذه الغاية النبيلة، على سورية تبني نهج متكامل وشامل يجمع بين عدة محاور أساسية: أولها إعادة بناء البنية التحتية الرقمية المتضررة، والتي تشكل العصب الرئيسي لأي تطور تكنولوجي، وثانيها الاستثمار الاستراتيجي والطويل الأمد في رأس المال البشري الذي يمثل الثروة الحقيقية لأي أمة، وثالثها إيجاد بيئة حوكمية شفافة تقوم على مبادئ المساءلة والنزاهة، ورابعها بناء تحالفات دولية ذكية تقوم على المصالح المتبادلة. فقط من خلال هذه الرؤية الشاملة والمتكافئة يمكن تحويل سورية من قصة تحذيرية إلى نموذج ناجح وملهِم في عصر الذكاء الاصطناعي.
مقالة جديدة في #العربي الجديد ملحق #سوريا الجديدة
من جدار الدكتور #جمعة حجازي Jomaa Hijazi
يعرض تقرير التنمية البشرية العالمي ترتيب الدول على سلم التنمية البشرية العالمي في كل عام، وجاءت في تقرير 2025 كالعادة الدول الأولى عالمياً هي آيسلندا (0.972)، سويسرا (0.970)، النرويج (0.970). وأعلى دولة عربية: الإمارات (0.940) في المرتبة 15 عالمياً، ومن ثم السعودية (0.900) البحرين (0.899) قطر (0.886). أما سورية فقد جاءت في المرتبة 162 عالمياً بقيمة مؤشر 0.564، مصنفة ضمن فئة "التنمية البشرية المنخفضة". ومعلوم أن دليل التنمية البشرية العالمي يحتوي على ثلاثة مكونات رئيسية (الدخل، التعليم، الصحة) وهو مقياس مركب قيمته تراوح بين (0 - 1) وكلما اقترب الدليل من الواحد يعني أن حال البلد المعني في أفضل الحالات التنموية. ولقد حافظت الدول الاسكندنافية على الترتيب الأول منذ بداية ظهور التقرير في 1991، وهذا ما يظهر الاهتمام الكبير بالإنسان في تلك الدول على حساب معدلات النمو الاقتصادي والإنتاج المادي.
متوسّط دليل التنمية البشرية في سورية ومقارنتها عربياً
من تفحص البيانات، يمكن القول إنه بينما كانت سورية تسير بخطى ثابتة نحو التحسّن، حيث ارتفع مؤشّر تنميتها البشرية من 0.500 إلى 0.648 خلال عقدين (1990- 2010)، جاءت الحرب لتعيد البلاد عقوداً إلى الوراء. فقد تفاقم الوضع بسبب العقوبات الدولية المشدّدة التي عزلت الاقتصاد، إلى جانب الفساد الممنهج والإدارة المتدهورة في ظل النظام البائد، الذي استنزف موارد البلاد وأضعف مؤسساتها عقوداً. ففي 2023، انهار المؤشّر إلى 0.564، ماحياً مكاسب 20 عاماً من التقدم والتنمية. لقد شكلت هذه العوامل مجتمعة عاصفة كاملة حطمت بنى الاقتصاد التحتية، ودفعت بالكفاءات إلى الهجرة نتيجة مفرزات الحرب والإجراءات التي كان النظام البائد يتعمّدها في سبيل تدمير البنى الاجتماعية، وتعزيز إجراءات الهجرة والاغتراب وعزل سورية عن الركب العالمي في وقتٍ كانت فيه الثورة التكنولوجية تتسارع في كل مكان. وفي المقابل، كنا نرى فيه العالم العربي يسير بخطى أبطأ لكنه يسير بنهج ثابت نحو الأفضل. لقد تحوّلت الفجوة بين سورية والدول المتقدمة من هوّة يمكن ردمها إلى هاوية لا تُعبر، حيث تخسر البلاد سباق المستقبل بينما العالم من حولها يعدو نحو الثورة التكنولوجية بسرعة مذهلة، وتبقى آثار العقوبات والفساد عبئاً ثقيلاً على الأجيال القادمة التي لن نجد مقومات النمو والتطور وفرصهما جاهزة للنهوض نحو عالم المعرفة وعالم الإبداع والابتكار.
يفيد التقرير بأن مستوى هذا القلق ليس متساوياً حول العالم، فهو أعلى في البلدان المرتفعة التنمية، حيث الاحتكاك المباشر بالذكاء الاصطناعي أكبر، مقارنة بالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل
الذكاء الاصطناعي في قلب نقاش التنمية البشرية
التقرير السنوي للتنمية البشرية العالمي "التنمية البشرية رهن بخيار الإنسان والإمكانات في عصر الذكاء الاصطناعي"، تصدره الأمم المتحدة كل عام، وقد اختير هذه السنة الذكاء الاصطناعي في قلب نقاش التنمية البشرية، محذّراً من مخاطره ومستعرضاً إمكاناته الهائلة في الوقت نفسه. وقد حاول التقرير أن يبث الرسائل الرئيسية التالية:
1. الذكاء الاصطناعي هو "الكهرباء الجديدة أي تقنية شاملة ستغير كل مناحي الحياة، لكن تأثيرها ليس حتمياً". المستقبل "رهن بخيار" المجتمعات والبشر.
2. الخيار بين تكامل الإنسان والآلة أو استبداله، إذ يحذر التقرير من مسار يؤدي إلى استبدال البشر، ويزيد من البطالة وعدم المساواة (ما يسميه "اقتصاد الاستبدال"). بينما يدعو إلى مسار بديل يركز على "اقتصاد التكامل"، حيث يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات البشرية وخلق وظائف جديدة.
3. توسّع الفجوات العالمية: التقرير يوثق تباطؤ التقدم في التنمية البشرية عالمياً وتوسع الفجوة بين الدول ذات التنمية "المرتفعة جداً" وتلك ذات التنمية "المنخفضة". الذكاء الاصطناعي يهدد بتعميق هذه الفجوة إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة.
4. البيانات تثبت توقعات الناس وفقاً لمسح أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، يتوقع %66 من الناس أن الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في التعليم والصحة والعمل خلال عام. كما أن الغالبية تتوقع أن الذكاء الاصطناعي سيعزز عملهم (%61) أكثر مما سيلغيه (%51).
كما يدعو التقرير إلى التحرّك في ثلاثة مجالات محورية:
1. بناء الاقتصاد على التكامل: تصميم سياسات تشجع على التعاون بين البشر والذكاء الاصطناعي، وليس المنافسة. هذا يتضمن إصلاحات ضريبية وحوافز تدعم "مضاعفة" العمل البشري بدلاً من "أتمتته" فقط.
2. قيادة الابتكار بتصميم واضح: يجب أن تكون القيم البشرية والأخلاق جزءاً أساسياً من تصميم وتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي من البداية، وليس مجرد ترداد لاحق.
3. الاستثمار في الإمكانات التي تثمر: ضرورة إصلاح أنظمة التعليم والرعاية الصحية لتجهيز البشر لعالم الذكاء الاصطناعي، مع ضمان تكافؤ الفرص في الوصول إلى هذه التقنيات واستخدامها.
توقعات استخدام الذكاء الاصطناعي
1. 66.1% من سكان بلدان التنمية البشرية المنخفضة والمتوسّطة يتوقعون استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم أو الصحة أو العمل خلال عام.
2. 68.9% من سكان بلدان التنمية البشرية المرتفعة يتوقعون استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات خلال عام.
3. 45.9% من سكان بلدان التنمية البشرية المرتفعة جداً يتوقعون استخدام الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات خلال عام.
الاستخدام الفعلي الحالي (في مايو/ أيار الماضي). ولدى سؤال المبحوثين عن استخدامهم الفعلي تطبيقات الذكاء الاصطناعي أجاب:
• 14.4% من سكان بلدان التنمية البشرية المنخفضة والمتوسطة استخدموا الذكاء الاصطناعي أخيراً.
• 23.6% من سكان بلدان التنمية البشرية المرتفعة استخدموا الذكاء الاصطناعي أخيراً.
• 19.0% من سكان بلدان التنمية البشرية المرتفعة جداً استخدموا الذكاء الاصطناعي أخيراً.
كما تُظهر نتائج التقرير أن 61% من الناس حول العالم يتوقعون أن يعزّز الذكاء الاصطناعي عملهم ويساعدهم على مضاعفة إنتاجيتهم، بينما يتوقع 51% فقط أن يحل محلهم، ويؤدّي إلى أتمتة وظائفهم. تُشير هذه النسبة إلى نظرة إيجابية بشكل عام تجاه الذكاء الاصطناعي مساعداً وليس منافساً. إلا أن هذه النظرة الإيجابية تخفي تحفظات مهمة تختلف باختلاف الفئات العمرية والخلفيات الثقافية. ففي حين يبدو الشباب (15-24 سنة) الأقل قلقاً بشأن فقدان السيطرة على حياتهم بسبب هذه التقنيات، يبدو كبار السن (45- 59 سنة) الأكثر تحفظاً وتخوفاً من هذا التوجه.
القلق من المستقبل
يفيد التقرير بأن مستوى هذا القلق ليس متساوياً حول العالم، فهو أعلى في البلدان المرتفعة التنمية، حيث الاحتكاك المباشر بالذكاء الاصطناعي أكبر، مقارنة بالبلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل. وهذا يتوافق مع حقيقة أن 23.6% من سكان البلدان المرتفعة التنمية يستخدمون الذكاء الاصطناعي فعلياً، مقابل 14.4% فقط في البلدان المنخفضة والمتوسّطة الدخل. ويبقى أحد أكبر التحدّيات التي تواجه التعميم العادل للفوائد مسألة التحيز الثقافي المتأصل في عديد من نماذج الذكاء الاصطناعي السائدة. فهذه النماذج، التي تُطور غالباً في بيئات ثقافية واجتماعية محدودة، تقدم إجابات وحلولاً أقرب إلى ثقافة المجتمعات المرتفعة الدخل، بينما تبدو أقل ارتباطاً بسياقات المجتمعات في البلدان النامية واحتياجاتها. ما يسلط الضوء على ضرورة العمل نحو تطوير ذكاء اصطناعي أكثر شمولاً وتنوّعاً، يعكس تعدّدية الثقافات ويخدم جميع المجتمعات على قدم المساواة.
احتلت سورية المركز 161 على مستوى العالم في مؤشر سرعة الإنترنت للعام 2020، كما احتلت المرتبة 176 مِن أصل 190 دولة حول العالم في مؤشر "ممارسة أنشطة الأعمال" للعام 2020
سورية من الأقل استخداماً للذكاء الاصطناعي
وأظهر تقرير صادر عن مختبر الذكاء الاصطناعي من أجل الخير التابع لشركة مايكروسوفت (Microsoft AI for Good Lab) أن نسبة انتشار استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بين الفئة العاملة في سورية بلغت نحو 6.7% فقط من إجمالي السكان في سن العمل (15– 64 سنة)، ما يضعها في الثلث الأخير عالمياً ضمن قائمة شملت 147 دولة. وأشار التقرير، وعنوانه "Measuring AI Diffusion: A Population-Normalized Metric for Tracking Global AI Usage"، إلى أن الإمارات تصدرت التصنيف العالمي بنسبة 59.4% من الفئة العاملة تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي، تلتها سنغافورة بنسبة 58.6%، في حين جاءت معظم دول الشرق الأوسط بمستويات متفاوتة، إذ سجلت الأردن 25.4% ولبنان 24.8% ومصر 12.5% والمغرب 10.5%. وبحسب الباحثين في مختبر مايكروسوفت، فإن توسيع الوصول إلى الإنترنت والاستثمار في المهارات الرقمية سيكونان عاملين أساسيين لرفع نسب استخدام الذكاء الاصطناعي في الدول النامية، ومن ضمنها سورية، التي تُظهر مؤشرات متواضعة مقارنة بجيرانها في المنطقة. وأبدت سورية في وقت سابق اهتماماً متزايداً بتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث استضافت دمشق في مايو/ أيار 2025 أول مؤتمر وطني للذكاء الاصطناعي بعنوان “AI-Syria 2025”، برعاية وزارة الاتصالات والتقانة وتنظيم من الاتحاد العربي للإنترنت والاتصالات والجمعية العلمية السورية للمعلوماتية. كما كشفت مؤسسة "إكسفورد إنسايت" ومركز أبحاث التنمية الدولية عن تقرير مؤشر جاهزية حكومات دول العالم لتطبيق تكنولوجيا الذكاء الصناعي، واحتلت سورية المرتبة ما قبل الأخيرة، سابقةً اليمن فقط. وأوضح التقرير الذي شمل 172 دولة أن سورية جاءت في المركز 171 خلال العام 2020 بواقع 19.33 نقطة مِن أصل مائة نقطة، في حين تذيّلت اليمن الترتيب الأخير في المركز 172 على المؤشر بـ 19.1 نقطة.
ووفق التقرير فقد احتلت الولايات المتحدة الأميركية المرتبة الأولى في مؤشر هذا العام بواقع 85.5 نقطة، في حين ذهبت المراكز الخمسة الأولى إلى دول أوروبا الغربية (بريطانيا ثانياً بـ 81.1 نقطة، وفنلندا ثالثاً بـ 79.2 نقطة، وألمانيا رابعاً بـ 78.9 نقطة، والسويد خامساً بـ 78.8 نقطة). ودولتان آسيويتان حصدتا مركزين متقدّمين، حيث احتلت سنغافورة المركز السادس بـ 78.7 نقطة، وكوريا الجنوبية المركز السابع بـ 77.7 نقطة، لـ تتقدّم ثلاث دول أوروبية في المراكز الأخيرة مِن العشرة الأوائل، الدنمارك ثامناً بـ 75.6 نقطة، النرويج تاسعاً بـ 75.3 نقطة، هولندا عاشراً بـ و74.4 نقطة. وكانت سورية قد احتلت المرتبة الأخيرة عربياً و156 عالمياً على المؤشر المتكامل للتنمية البريدية "2IPD" لـ عام 2020، الصادر عن الاتحاد البريدي العالمي المعروف اختصاراً بـ"UPU"، والذي شمل 170 دولة. كذلك احتلت سورية المركز 161 على مستوى العالم في مؤشر سرعة الإنترنت للعام 2020، كما احتلت المرتبة 176 مِن أصل 190 دولة حول العالم في مؤشر "ممارسة أنشطة الأعمال" للعام 2020 أيضاً.
وقد كانت للحرب في سورية آثار كارثية، فقد دمرت أو تضررت 65% من البنية التحتية الرقمية، ولا يستطيع 57% من السكان الوصول إلى الإنترنت بشكل منتظم وبجودة مقبولة، بينما لا تتجاوز نسبة المؤسسات التي تستخدم بعض تقنيات الذكاء الاصطناعي 18%. ولا تتجاوز نسبة الطلاب الذين لديهم إمكانية الوصول إلى التعليم الرقمي 15%، بينما لا تشكل نسبة خريجي الجامعات المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات سوى 3%. وتعكس الفجوة التقنية عمق الحرب، ولا يخصّص سوى 0.1% من الناتج المحلي للبحث والتطوير، وتسجل سورية عدداً قليلاً جداً من براءات اختراع سنوياً فقط مقابل 45,000 في كوريا الجنوبية.
نتائج الحرب على قطاع التنكولوجيا
أدّت الحرب في سورية وسياسات الفساد والتدمير التي اعتمدها النظام السابق إلى انخفاض حاد في الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 97%، حيث تراجعت من 3.2 مليارات دولار عام 2010 إلى حوالي مائة مليون دولار عام 2020. وغادرت أكثر من 90% من الشركات متعددة الجنسيات البلاد منذ عام 2011 (غرفة التجارة الدولية، 2023)، فيما قطع معظم الشركاء التجاريين الدوليين العلاقات بسبب العقوبات الدولية والظروف الأمنية. وفي الرقمنة، تفاقمت الفجوة الرقمية بشكل كبير، حيث لا يستخدم الإنترنت بانتظام سوى 57% من السكان (الاتحاد الدولي للاتصالات، 2023)، وتمتلك 15% فقط من الأسر اتصال إنترنت عالي السرعة. كما لا تستخدم سوى 18% من المؤسسات العامة الحوسبة السحابية (البنك الدولي، 2022)، ولا يساهم الاقتصاد الرقمي سوى بنسبة 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي. ولا يتجاوز عدد المشاريع في مجال التكنولوجيا الناشئة سوى عدد قليل مقارنة بما هو مطلوب، ويعمل 5% فقط حاضنات أعمال تقنية فقط، ولا توفر قطاع التكنولوجيا سوى 15% من فرص العمل، في ظل تراجع حجم الاستثمارات في القطاع، وفي ظل تفاقم تحديات البنية التحتية المتدهورة، حيث لا تتوفر الكهرباء سوى 4 ساعات يومياً في معظم المناطق، ودمرت أو تضررت 60% من الشبكة الكهربائية، عدا عن تقادم أجهزة البث الخليوي وتراجع منظومة الحكومة الإلكترونية والدفع الإلكتروني وتعثر انضمام سورية إلى الأنظمة العالمية في مجال التحول الرقمي والاتصالات الفضائية عالية التقانة.
على سورية تبني نهج متكامل وشامل يجمع بين عدة محاور أساسية: أولها إعادة بناء البنية التحتية الرقمية المتضررة، والتي تشكل العصب الرئيسي لأي تطور تكنولوجي
حالة مثالية للدراسة
تمثل سورية حالة دراسية مثالية لتقرير التنمية البشرية 2025، حيث تظهر كيف يمكن لأمة أن تتراجع عقوداً إلى الوراء في مسار التنمية البشرية، وكيف أن التخلف عن ركب الثورة التكنولوجية يمكن أن يكون له عواقب كارثية على مستقبل الأجيال القادمة. إذ تواجه البلاد اليوم خطراً حقيقياً يتمثل في تحولها التدريجي إلى ما يشبه "بقعة مظلمة" معزولة في خريطة التحول الرقمي العالمية، وهذا الخطر لا يهدد فقط مستقبلها التكنولوجي، بل يمتد ليشمل جميع جوانب تنميتها البشرية والاقتصادية. إن عجز سورية عن مواكبة الثورة التكنولوجية المتسارعة لا يعزّز فقط تهميشها على الساحة الدولية، بل يهدّد بتعميق أزماتها التنموية والإنسانية عدة عقود مقبلة، ما سيحول دون تحقيق أي تقدم ملموس في مجالات الصحة والتعليم والاقتصاد.
وعلى أرض الواقع، لا تزال التحدّيات والمصاعب التي تواجهها سورية كبيرة وعميقة، فهي تقف اليوم أمام طريق طويل وشاق يجب أن تقطعه لمجرد اللحاق بالدول العربية المجاورة، فضلاً عن اللحاق بالدول المتقدمة التي تتقدم بخطى سريعة. ورغم الجهود الكبيرة والملحوظة التي تبذلها وزارة الاتصالات والتقانة بقيادة الوزير عبد السلام هيكل، الذي يتمتع بخبرة واسعة في مجال الاتصالات والتقانة، يتطلب تحقيق الأهداف المنشودة والوصول إلى الغايات المرجوّة مواردَ أكبر واستراتيجيات أوسع ورؤية أكثر شمولاً.
ولتحقيق هذه الغاية النبيلة، على سورية تبني نهج متكامل وشامل يجمع بين عدة محاور أساسية: أولها إعادة بناء البنية التحتية الرقمية المتضررة، والتي تشكل العصب الرئيسي لأي تطور تكنولوجي، وثانيها الاستثمار الاستراتيجي والطويل الأمد في رأس المال البشري الذي يمثل الثروة الحقيقية لأي أمة، وثالثها إيجاد بيئة حوكمية شفافة تقوم على مبادئ المساءلة والنزاهة، ورابعها بناء تحالفات دولية ذكية تقوم على المصالح المتبادلة. فقط من خلال هذه الرؤية الشاملة والمتكافئة يمكن تحويل سورية من قصة تحذيرية إلى نموذج ناجح وملهِم في عصر الذكاء الاصطناعي.
مقالة جديدة في #العربي الجديد ملحق #سوريا الجديدة
من جدار الدكتور #جمعة حجازي Jomaa Hijazi